محمد سالم أبو عاصي

157

علوم القرآن عند الشاطبي من خلال كتابه المواقف

ذلك ؛ فتعطل الأحكام كلها أو أكثرها . . وذلك غير ممكن . فلا بد من القول فيه بما يليق . والثاني : أنه لو كان كذلك ؛ للزم أن يكون الرسول صلى اللّه عليه وسلم مبينا ذلك كلّه بالتوقيف ، فلا يكون لأحد فيه نظر ولا قول . والمعلوم أنه صلى اللّه عليه وسلم لم يفعل ذلك . . فدل على أنه لم يكلف به على ذلك الوجه . بل بين منه ما لا يوصل إلى علمه إلا به ، وترك كثير مما يدركه أرباب الاجتهاد باجتهادهم . فلم يلزم في جميع تفسير القرآن التوقيف . الثالث : أن الصحابة كانوا أولى بهذا الاحتياط من غيرهم ، وقد علم أنهم فسروا القرآن على ما فهموا ، ومن جهتهم بلغنا تفسير معناه ، والتوقيف ينافي هذا . فإطلاق القول بالتوقيف والمنع من الرأي لا يصح . والرابع : أن هذا الفرض لا يمكن ؛ لأن النظر في القرآن من جهتين : من جهة الأمور الشرعية . . فقد سلم القول بالتوقيف فيه ، وترك الرأي والنظر جدلا . ومن جهة المآخذ العربية . . وهذا لا يمكن فيه التوقيف ، وإلا لزم ذلك في السلف الأولين . وهو باطل . فاللازم عنه مثله « 1 » . هذا . . وقول الشاطبي " ما يقتضي إعماله " ، وقوله بعد ذلك " لا يمكن إهمال مثله لعالم بهما " ، دليل بين على أن الاجتهاد بالرأي في القرآن الكريم - اجتهادا قائما على العلم - أمر مفروض شرعا ، لا جائز فحسب ، وهذا ما تؤكده قولته من " استحالة الإهمال " ، وهذا ما انتهى إليه المحققون من أئمة التفسير والأصول . وسنجتزئ باثنين من أعلامهم - رضوان اللّه عليهم - أحدهما الماوردي ، وثانيهما الإمام الغزالي .

--> ( 1 ) الموافقات 3 / 421 ، 442 .